ناهد

العمل الحر والاستثمار في سوق العمل اللبناني

لم تكمل ناهد تعليمها بسبب الظروف المادية الصعبة لعائلتها، وبسبب مرض والدها الذي توفي وهي ما تزال طفلة، ما اضطرها للعمل في المطاعم والفنادق في سن مبكرة، تقول، “لم يكن ثمة فرص كثيرة، وكان العمل في المطاعم والفنادق هو الخيار المتاح، بدأت العمل بعمر تسع سنوات في أيام الصيف فقط، الى أن توفي والدي وأنا في الحادية عشرة، حينها اضطررت لترك المدرسة نهائياً في ظل ظروفنا الصعبة وكثرة الديون رغم أني كنت متفوقة في دراستي”

وتتابع القول، “كنت أتظاهر بأن عمري 15 عاماً، وكان جسدي يوحي بذلك فعلاً، كنت أدّعي ذلك خوفاً من استغلالي كطفلة، لقد واجهت كثيراً من التحديات في العمل، ولكني لم أتأثر لأن هدفي الوحيد كان كسب بعض النقود آخر النهار كي أساعد في تأمين المصاريف الأساسية لإخوتي الصغار”.

تقول ناهد إن ما زاد من صعوبة أوضاعها هي وإخوتها الثمانية، أن والدتها مصرية الجنسية لم تكن تلقى قبولاً من عائلة زوجها، لذلك لم تحصل على أية مساعدة منهم، فقررت السفر الى مصر مع أولادها لأن تكاليف المعيشة أرخص مقارنة بلبنان، كان عمر ناهد حينها 14 عاماً وفضلت البقاء في بيروت ومتابعة العمل، الى أن توظفت في شركة للوجبات السريعة.

أثبتت ناهد جدارة في العمل وتطورت مع تطور الشركة في السوق. تقول، “كان أصحاب العمل يدعمونني ويعاملونني على أني فرد من العائلة، وكنت فعلاً أشعر بالانتماء لهم، واستمريت في العمل معهم الى أن تزوجت”.

بعد نحو سنة من زواجها عام 2002، تركت ناهد العمل وقبضت تعويض نهاية الخدمة من الشركة، وقررت البدء بعملها الخاص، فافتتحت مطبخاً صغيراً في حي شعبي وبمعدات بسيطة، واستطاعت في عام 2005 أن تستثمر مطعم أحد المستشفيات وتقدم خدمة الإطعام للأطباء والمرضى النزلاء فيه، تقول، “عرضت على إدارة المشفى تقديم ثلاث وجبات يومياً بسعر أقل وجودة أفضل، فحصلت على الفرصة بعد فترة الاختبار التي دامت نحو ثلاثة أشهر”.

تشجعت ناهد بعد النجاح الذي حققته في عملها مع المشفى، وحاولت التوسع أكثر، فتقدمت بعرض عمل مشابه لشركة اتصالات كبرى، وبعد مرور عام كامل، تواصلت الشركة معها لتستلم مهامها في تقديم خدمات الإطعام لموظفيها.

تقول، “تعرفت خلال عملي على رجل كانت زوجته موظفة في مؤسسة البريد، حيث قدمتني للمؤسسة وتعاقدت معها في نفس المجال، وعلى هذا النحو، صرت أقدم خدمات الإطعام لثلاث مؤسسات كبيرة، واستمريت على هذا النحو حتى عام 2008”.

بعد أن كبر مجال عملها، كان على ناهد أن تقدم كشوفات ضريبية نظامية للجهات الحكومية، فعرضت عليها المحاسبة المسؤولة أن تدفع مبلغ 1500 دولار كنوع من الرشوة لتتم الأمور بسلاسة ودون مشاكل، ولكن ناهد رفضت وأصرت أن تتم كل الإجراءات بشكل قانوني، ولكنها فوجأت بتعقيدات في المعاملات المالية واضطرت في نهاية المطاف لدفع أكثر من 13 ألف دولار.

تقول ناهد، “لسوء الحظ، كنت قررت أيضاً تكبير المطبخ، واستأجرت مستودعاً بمساحة 400 متر ودفعت إيجاره السنوي، ولكن فأله لم يكن خيراً علي، فبعد أن كلفني كثير من المال لإعادة تأهيله وتقسيمه بشكل يخدم طبيعة العمل، ومنذ الشهر الأول في العمل، بدأت المشاكل مع المالية والضرائب وغيرها، وانسحبت المحاسبة المسؤولة وترتكتني في منتصف الطريق، فصرفت مبلغ المئة ألف دولار الذي ادخرته طوال فترة عملي السابق”.

في ظل تلك الظروف الصعبة وبدء تراكم الديون لصالح التجار، إضافة لوضعها العائلي الصعب في ظل سفر زوجها وبقاء طفلها أغلب الوقت مع المربية، قررت ناهد إغلاق المطبخ وتركت العمل مع المشفى، ونقلت معدات تحضير الطعام الى مطبخ صغير في مؤسسة البريد لتورّد الطعام من خلاله لموظفيها وموظفي شركة الاتصالات، واستطاعت خلال سنة واحدة تسديد الديون المترتبة عليها وادخرت مبلغاً إضافياً لبدء مشروع جديد.

بدأت ناهد مشروعها الجديد بميزانية 10 آلاف دولار فقط، فافتتحت مطبخاً في منطقة شعبية حيث كان أغلب زبائنها من طلاب الجامعة، الى أن سنحت لها الفرصة بالاستثمار في مبنى للطلاب يضم مطبخاً ومقهى في منطقة الحمرا، وبعد نحو سبع سنوات من العمل تم بيع المبنى، ورفع المالك الجديد قيمة الإيجار بشكل كبير، فاضطرت ناهد الى إيقاف مشروعها مرة أخرى.

تقول، “في السنتين الأخيرتين، افتتحت صالوناً للحلاقة النسائية والتزيين في نفس المبنى، وعندما تم بيعه، استأجرت محلاً آخر في نفس المنطقة ونقلت المعدات إليه، وأنا حالياً أتابع العمل به وأحاول التعلم واكتساب خبرة أكبر في هذا المجال”.

وتتابع القول، “علمتني الحياة أن أحب ما أعمل، رغم أن جميع الأعمال التي خضتها في حياتي لم تكن تعبر عن رغبتي الحقيقية، كنت أحلم في طفولتي بأن أصبح صحفية، أما طموحي الحالي أن أحمل شهادة في مجال ما وأعمل به، وهو ما أستطيع تحقيقه في مجال التجميل من خلال اتباع بعض الدورات التدريبية”.

ترى ناهد أن هناك بعض العوامل التي ساهمت في وقوعها في الأخطاء ومواجهة بعض التحديات خلال مسيرتها المهنية، منها تركها للدراسة في سن مبكرة، وتفشي الواسطة والرشاوى، فضلاً عن فقدان الشعور بالأمان.

تقول، “نعاني اليوم من فوضى في البلاد، وخصوصاً في ظل وجود اللاجئين السوريين، حيث يمكن لأحدهم استئجار محل دون تسجيل عقد الإيجار وبالتالي دون دفع الضرائب، وفي هذه الحال يستطيع أن يقدم خدمات منافسة لنا وبأسعار أقل، في الحقيقة إن الخطأ في النظام وليس في السوريين أنفسهم، فهم يبحثون عن سبل للعيش، وأنا شخصياً أوظّف السوريين في المحل لأن معاشاتهم أقل، ما يخفض من التكاليف، وبالتالي يمكنني من الاستمرار والمنافسة في السوق في هذه الظروف”.


سُجلت هذه المقابلة
في  بيروت

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: