كمال أبو صهيون

"لا نُعلّم أولادنا من أجل مستقبلهم فحسب، بل حتى يعينونا في كبرنا لأننا لا نمتلك أي حقوق كتعويض نهاية الخدمة أو معاش التقاعد"

نشأ كمال فايز أبو صهيون في مخيم البص للاجئين الفلسطينيين جنوب مدينة صور اللبنانية. كان والده يعمل في السعودية، ولذلك كان وضع عائلته المكونة من 12 فرداً أفضل حالاً من عوائل كثيرة تقطن المخيم.

في العام 1975 سافر كمال مع أهله الى دولة الإمارات العربية المتحدة بسبب الحرب الدائرة في لبنان، حيث أكمل دراسته وحصل على الشهادة الثانوية، ثم عاد مجدداً الى لبنان عام 1980 ليدرس الهندسة المدنية في جامعة بيروت العربية.

يقول كمال، “اخترت دراسة الهندسة، لأنها المهنة الأسرع في مجال التوظيف للاجئين الفلسطينيين، فاختيار الفرع الجامعي لا يتم عادة بحسب رغبة الطالب الفلسطيني وميوله، كنت أرغب بدراسة الطب البيطري ولكني لم أفعل ذلك لأني كفلسطيني ممنوع من العمل في هذه المهنة في لبنان، في الحقيقة ثمة مجالان اثنان من الممكن للفلسطيني أن يعمل في إحداهما، وهما المحاسبة والهندسة، بحيث يمكن تغطيته قانونياً بشكل جزئي ولكن دون أي حقوق كتعويض نهاية الخدمة والتقاعد”.

يُفصّل كمال أكثر في الوضع القانوني للفلسطينيين العاملين في لبنان بالقول، “عندما صَحَت الدولة اللبنانية بعد الانتقادات التي وُجّهت لها بالعنصرية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، تمت مراقبة أوضاعهم، ونتيجة تمتعهم بالمهنية العالية وصعوبة الاستغناء عن خبرتهم في بعض المواقع، تمت شرعنة وظائفهم، فبالنسبة للمهندسين مثلاً، يسجل المهندس نفسه بصفة مؤسسة فردية تسجل في المالية وتدفع ضرائبها وتقدم خدمات هندسية للشركات التي تتعاقد معها بصفتها مؤسسة تقدم خدمات، تفادياً لاستخدام مصطلح مهندس بشكل صريح، وهو الأمر الذي يخالف قانون العمل”.

بدأ كمال أولى أعماله الهندسية بعد التخرج ببناء بيت أخيه في بلدة الغازية، ثم عمل بعدها كمنسق بين منظمة اليونيسيف ومنظمة التحرير الفلسطينية في مجال المشاريع الإنشائية والخدمية للفلسطينيين في لبنان، يقول، “حصلت على فرصة العمل عن طريق علاقاتي بأشخاص داخل منظمة التحرير وهي فرصة لا يمكن تعميمها على جميع الفلسطينيين، ما أعطاني حافزاً للاستمرار بالعمل في مهنة الهندسة، في حين توجه كثير من زملائي المهندسين للعمل في مهنة التدريس والتي لا تمت لمجال دراستهم بأية صلة”.

استلم كمال لاحقاً ملف صيانة وإنشاء المباني التابعة لمنظمة التحرير في لبنان، وذلك بين عامي 1994 و 2005، حيث كان يعمل كمتطوع دون راتب مقطوع، ولكن مع بعض الحوافز التي يمكن أن تغطي مصروفه الشخصي كشاب مهتم باكتساب مزيد من الخبرات العملية في ذلك الوقت. يقول، “تشكل العلاقات ومعرفة بعض الشخصيات الفلسطينية النافذة فرقاً كبيراً في حياة اللاجىء الفلسطيني، فمع وجود تلك العلاقات يرتاح في معيشته، وتكون فرص الحصول على عمل متاحة له بشكل أكبر، وحتى على مستوى الخدمات الصحية، يكون له الأفضلية في تغطية نفقات طبابته على حساب منظمة التحرير وبنسب تصل الى مئة في المئة، في وقت لا يحصل فيه البعض على ثمن فاتورة الدواء”.

تعرف كمال خلال تلك الفترة على شركة مقاولات عن طريق اثنين من زملائه الذين كان أحدهما مديراً فرعها في لبنان. كانت الشركة في طور النمو والتطور وتحتاج لتوظيف مهندسين جدد، فانضم كمال لطاقمها بمساعدة زملائه. يقول، “كان راتبي ضئيلاً جداً مقارنة بمعاشات زملائي اللبنانيين في نفس الموقع والاختصاص، ولكن الأهم عندي كان عدم الانقطاع عن العمل في مجال الهندسة فضلاً عن كسب مزيد من الخبرة”.

في العام 2005، انتقل كمال الى عمل آخر في الشركة التي شيدت مبنى جامعة فينيسيا المعروف في جنوب لبنان، واستمر بالعمل بها نحو سنتين حتى انتهى المشروع، ثم قام بزيارة الى دولة الإمارات العربية تعرف خلالها على مهندس مدير في شركة مقاولات تعود ملكيتها لمهندس فلسطيني. عمل كمال في الشركة وأثبت جدارته بالعمل فزاد راتبه بشكل جيد في عام واحد فقط، واستمر بالعمل حتى عام 2010، حينها تلقى عرض عمل جيد من الشركة التي كان يعمل بها سابقاً في لبنان، والتي كانت مكلفة بمشاريع إعادة إعمار مخيم نهر البارد، ففضل العودة الى لبنان، وبدأ العمل كمدير مشروع في الشركة.

يقول كمال، “ما تزال أوضاع الفلسطينيين في لبنان تتغير سلباً مع مرور الوقت، ففي السابق، كنا نعمل بحرية وبشكل طبيعي، ومن ثم بدأت العنصرية تتكشف تجاه اللاجىء الفلسطيني وتحديداً منذ تولي رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري وحتى يومنا هذا، حيث أصدر الحريري مجموعة قرارات منها ضرورة استصدار تأشيرة دخول وخروج تطلب عند سفر اللاجىء الفلسطيني، ما حد من قدرته على التحرك، فضلاً عن قانون العمل الذي أصدر لائحة طويلة بالمهن التي لايحق للفلسطيني ممارستها، ويضاف الى ذلك كله إلغاء حق تملك العقارات وغيره من الإجراءات والقوانين التي كانت مسموحة وتم تعديلها في فترة رئاسة الحريري”.

ويتابع القول، “جدير بالذكر إن أفضل فرص العمل للفلسطينيين هي لدى أصحاب الشركات المسيحيين، بينما أسوأها عند الإسلام السنة، وبالنسبة للشيعة، فمن الممكن أن يتعاونوا ويوظفوا الفلسطينيين في مؤسساتهم”.

ينتقد كمال أداء منظمة التحرير وخدماتها التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويعتبر أنها ساهمت في تكريس معاناة اللاجئين وهمومهم، يقول، “عندما يكون المولى عليك إنسان جاهل ويكره المتعلمين، فكيف له أن يرعاك، جميع الذين تعينهم منظمة التحرير كوجهاء على المخيمات هم أشخاص غير متعلمين، وذلك لضمان الولاء والتصفيق لها، يبدو أنه يجب علينا كفلسطينيين أن نعيش دائماً في حالة فقر ومعاناة وقهر وأن نبقى في المخيمات حتى نكون فلسطينيين ووطنيين بمنظور القيادات الفلسطينية”.

ويتابع القول، “نحن نُعلّم أولادنا ليس من أجل مستقبلهم فحسب، بل حتى يعينونا في كبرنا لأننا لا نمتلك أي حقوق كتعويض نهاية خدمة العمل أو معاش تقاعدي، في الحقيقة نحن في حالة خوف دائم وريبة حول مستقبل لأولادنا، ماذا سيعملون؟ وماذا يمكن أن نعمل نحن حين نتقدم في العمر؟ فعلى سلبيل المثال وبعد كل الخبرة المهنية التي كسبتها في حياتي لا يمكنني تأسيس شركة باسمي إلا من خلال مشاركة مواطن لبناني وبنسبة 51 في المئة لصالحه، وفي حال فكرت أن أعيش خارج المخيم، لن أستطيع امتلاك منزل وتسجيله باسمي بشكل قانوني”.


سُجلت هذه المقابلة
في  صور

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: