غريس سعيد

الهوية الفلسطينية والاغتراب، تجربة العمل في لبنان بين عامي 1971 و 1983

ولدت غريس سعيد عام 1946 في مصر لأب فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية. عاشت طفولتها في مدينة القاهرة حيث كان والدها يمتلك شركة تجارية، ثم استقرت العائلة في لبنان عام 1961، حيث أتمت غريس المرحلة الثانوية في المدرسة الإنجيلية، ثم سافرت لمتابعة الدراسة في أمريكا كونها تحمل الجنسية الأمريكية منذ الولادة، إذ كان عليها وبحسب القانون الأمريكي الذهاب الى أمريكا قبل سن الواحد والعشرين حتى لا تفقد الجنسية.

اختارت غريس دراسة التاريخ لاهتمامها في هذا المجال، وبعد تخرجها من الجامعة، عادت الى لبنان وعملت كمتطوعة في مشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث اهتمت منذ ذلك الوقت في مجال الخدمات الاجتماعية، ما دعاها للسفر مجدداً الى أمريكا بعد عام من العمل، لتحصل على ماجستير في مجال الخدمات الاجتماعية.

تقول غريس، “بعد ذهابي الى أمريكا، بدأ وعيي السياسي بالتبلور حيال القضايا العربية والفلسطينية، بسبب وجود صورة نمطية سلبية في المجتمع الأمريكي عن العرب والفلسطينيين والإسلام، وخاصة أن معظم الطلاب في قسم الخدمات الاجتماعية كانوا من اليهود”.

وتتابع القول، “كان المشرف على أطروحتي البحثية أستاذاً يهودياً ومتعصباً لإسرائيل، وكان موضوع بحثي حول الهوية الفلسطينية في لبنان، فتعامل معي المشرف بشكل سلبي، ما دعاني الى إلغاء الأطروحة وتقديم الماجستير التنفيذي”.

بعد حصولها على درجة الماجستير، عادت غريس الى بيروت عام 1971 وترددت على مشفى الجامعة الأمريكية بهدف العمل في المجال الطبي الاجتماعي، لكن مدير المشفى وهو أمريكي الجنسية قال لها إن الأطباء في المشفى لايحبون التعامل مع النساء اللواتي يجاوبن بكثرة، في إشارة الى إنهم لايريدون توظيفها بسبب شخصيتها القوية وعدم سكوتها عن الحق. فحاولت البحث عن فرص أخرى، وعلمت في مجال التعليم في المدارس الخاصة لمادتي التاريخ والفلسفة، الى جانب المشاركة في بعض الأنشطة والعمل المدني.

كان منزل عائلة غريس يقع في منطقة راس بيروت، ما شكل فارقاً في التعامل معها خلافاً لسكان المخيمات، تقول، “كان ثمة فرق اجتماعي بين الفلسطينيين الموجودين داخل وخارج المخيمات، فعائلتي عائلة معروفة في منطقة راس بيروت وتعيش في جو اجتماعي مختلف، رغم أني كنت أشارك في أعمال تطوعية في مخيمات صبرا وشاتيلا، وكنت أحاول أن أنصح البنات هناك بخصوص بعض القضايا الاجتماعية كالزواج مثلاً، لكن من الصعب أن يساعد الإنسان غيره بالكلام فحسب”.

بعد عام 1976 عملت غريس في إحدى المدارس في تقديم الاستشارات لطالبات المرحلة الثانوية حول كيفية اختيار الفرع الجامعي المناسب، كانت تقدم محاضرات عن المهن والفرص المتوفرة في لبنان في المجالين الحكومي والخاص. تقول، “بالنسبة لي، لم يكن ثمة صعوبة بالغة في الحصول على فرصة عمل، إذ كانت تلك المدرسة مفتوحة للجميع بغض النظر عن الانتماءات والهوية، ولكن في نفس الوقت كنت أتعرض للعنصرية من قبل بعض اللبنانيين وخصوصاً بعد الأحداث الأمنية التي كان الفلسطينيون طرفاً بها، حتى اضطررت في العام 1983 للعودة الى أمريكا بسبب ازدياد الخطاب العنصري والضغط على اللاجئين الفلسطينيين. في الحقيقة، كانت الفترة التي عشتها في لبنان منذ أوائل السبعينات حتى أوائل الثمانينات فترة صعبة في ظل وجود الحرب و الانقسام الطائفي”.

بعد عودتها الى أمريكا، حصلت غريس على درجة ماجستير ثانية في مجال الكمبيوتر والتعليم، ثم عملت في تعليم الكبار استخدام الكمبيوتر. تقول، “عملت مع شركة متعاقدة مع الدوائر الحكومية في واشنطن، وبعد انتهاء مدة عقد العمل، عُرض علي التجديد ولكن لصالح الجيش، فكثير من قطاعات الأعمال في أمريكا مرتبطة بمؤسسة الجيش، فرفضت ذلك لعدم إيماني بسياسات مؤسستي الجيش والخارجية الأمريكية، ولكني تابعت العمل لسنوات طويلة بعقود مع شركات أخرى وبالتزامن دائماً مع نشاطي المدني والسياسي الدائم في مجال دعم القضايا الفلسطينية”.

ترى غريس أن آلية وفرص الحصول على عمل تختلف بين أمريكا ولبنان، ففي لبنان يتم الاعتماد غالباً على العلاقات الشخصية والواسطة بغض النظر عن الخبرة والمؤهلات، أما في أمريكا فيمكن أن تؤثر بعض العلاقات على مجرد النظر في الطلب المقدم من بين آلاف الطلبات حتى يأخذ صاحبه فرصة أكبر في حال امتلاكه الخبرة المطلوبة، وفي نهاية المطاف يبقى الأمر صعباً ويتطلب بحثاً ووقتاً للحصول على عمل مناسب”.


سُجلت هذه المقابلة
في  بيروت

المواضيع ذات الصلة بهذه القصة:


أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: