زينب المدهون

"لم أرغب أن يعاني أولادي كإخوتي الذين درسوا وكان يتم رفضهم أحياناً قبل إجراء مقابلة العمل، لمجرد أنهم فلسطينيّو الهوية"

درست زينب المدهون علم الاجتماع رغم أن تحصيلها الدراسي كان يخولها دخول أحد الفروع العلمية، وهو الأمر الذي يمنحها فرصة أكبر في سوق العمل اللبناني كونها فلسطينية الهوية، غير أن شغفها بالاختلاط بالناس وحب مساعدتهم دفعها لاختيار علم الاجتماع، خاصة أن كثير من أبناء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يحتاجون الى المساعدة.

تقول زينب، “رغبت بالدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، لكي تكون المجالات وفرص العمل المتاحة لي أفضل بعد التخرج، غير أن الامكانيات المادية المحدودة لعائلتي وصعوبة الحصول على قرض مصرفي للفلسطينيين الذين ليس لديهم ضمان عمل أو ملكية عقارية دفعتني للدراسة في الجامعة اللبنانية الحكومية”.

أحبت زينب اختصاصها ورغبت باكتساب مزيد من الخبرة فيه، فالتحقت بعد تخرجها بتدريب كمتطوعة في دار الأيتام الإسلامية لمدة ستة أشهر حصلت خلالها على الكثير من التشجيع، ولكن هويتها الفلسطينية حالت دون تثبيتها في العمل لاحقاً.

التحقت زينب بدورة تدريبية في مجال العمل الاجتماعي بالجامعة الأمريكية اللبنانية، ضمّت الدورة عدة جمعيات أهلية عرضت إحداها عليها فرصة للعمل، وعلى هذا النحو انضمت زينب إلى الجمعية التي تعنى بتمكين وتأهيل الأرامل والأيتام في المخيمات الفلسطينية، وكان ذلك إبان الحرب الأهلية اللبنانية.

استمرت زينت في العمل مع الجمعية نحو 14 عاماً، شاركت خلالها بكثير من الدورات التدريبية وورشات العمل، ثم عملت مع وكالة الأونروا التي تختص عادة بالحالات الاجتماعية الصعبة كما أنها تمنح فرصاً تدريبية أفضل مما توفره الجمعيات المحلية.

تعرفت زينب على جامعة “إلينوي” أثناء عملها، حيث سنحت الفرصة لكل العاملين الاجتماعيين بالحصول على شهادة الماجستير من الجامعة، وبالفعل نالت زينب درجة الماجستير من جامعة إلينوي، حيث ركزت في دراستها على فئة المسنين المهمشة في المجتمع الفلسطيني جراء الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ثم أسست مركزاً أطلقت عليه اسم “دار الشيخوخة النشطة”، ومن ثم ركزت على احتياجات الشباب الفلسطيني في دعم التدريب المهني وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم، إضافة إلى برامج المنح الجامعية .

تقول زينب، “إن فرص عمل الفلسطيني خارج نطاق المؤسسات المدنية ضعيفة جداً، كما أن هناك مهن كثيرة يحظر على اللاجىء الفلسطيني العمل بها، كالطب والهندسة على سبيل المثال، مما دفع به أن يخفضّ طموحاته ويعزف أحياناً عن دراسة بعض الاختصاصات الجامعية التي يرى أن لا فائدة من دراستها طالما أنه لن يستطيع العمل بها لاحقاً، وعلى هذا النحو يتوجه كثير من الشباب للأعمال والمهن الحرة”.

تزوجت زينب من رجل لبناني الجنسية وبطبيعة الحال حمل أولادها جنسية أبيهم، وبما أنها تعتبر نفسها جزءاً من المجتمع اللبناني، تعمل زينب حالياً في جمعية “توحيد شبيبة لبنان” التي تعنى بأمور الشباب في لبنان بمختلف جنسياتهم ودياناتهم دون تفريق، فضلاً عن بعض البرامج الموجهة للمدرسين والأهالي بهدف نشر ثقافة الاحترام والوعي وإعادة بناء الروابط الاجتماعية.

تعتبر زينب أن عملها الحالي في الجمعية يمثل وظيفة أحلامها، فلطالما أحبت هذا المجال خلال سنين دراستها ثم عملها وسعت للاستمرار به. تقول، “الجنسية اللبنانية التي اكتسبتها منذ أكثر من 10 سنوات لم تضف لي الشيء الكثير أو تؤثر علي كثيراً، لأن مجال عملي كان متاحاً للجميع بغض النظر عن الجنسية، غير أني سررت بأن أولادي حملوا جنسية أبيهم، لأنني لم أرغب أن يعانوا أو يعيشوا تجربة إخوتي الذين درسوا ولم يجدوا فرصاً للعمل، حيث كان يتم رفضهم أحياناً قبل إجراء مقابلة العمل لمجرد أنهم فلسطينيو الهوية، فاضطروا للسفر بحثاً عن فرص أفضل، مع العلم أن سفرهم واكتسابهم لجنسيات أخرى لم يزعزع من انتمائهم لفلسطين وكذلك الأمر بالنسبة لي عندما اكتسبت الجنسية اللبنانية”.

ترى زينب أن فرصة عمل الخريج الجامعي في سوق العمل اللبناني ليست سهلة، فالارتفاع في مستويات البطالة وضيق سوق العمل إضافة للوضع غير المستقر في لبنان جعل الفرص ضئيلة للبنانيين، فكيف تكون للفلسطيني أو سواه، غير أن الإصرار والمثابرة كما تقول يساعد في تخطي كل هذه التحديات والعوائق أمام الشباب. وفي هذا السياق، حاولت زينب المساعدة في التغلب على هذه المصاعب من خلال جمعيتها، وذلك بإطلاق برامج قروض تتيح الفرصة للفلسطسنيين بإقامة مشاريعهم الخاصة.

تقول، “إن أساس عملنا هو العلاقات مع الآخرين سواء المستفيدين أم الممولين، كما أن المصداقية لها دور مهم ، فعملنا هو التواصل مع المحتاجين للمساعدة ومن ثم تأمينها لهم من خلال الممولين، ومن أهم الصعوبات التي تواجهنا هو عدم استمرارية وجود بعض الجهات الممولة من جهة وبعض المستفيدين من جهة ثانية وكل ذلك يأتي نتيجة عدم الاستقرار في البلاد.

تتحدث زينب عن أثر استمرار الأزمة السورية لفترة طويلة والذي دفع اللاجئين السوريين بطبيعة الحال للبحث عن عمل، ما خلق نوعاً من المنافسة في سوق العمل اللبناني بين الفلسطينيين الذين كانوا يعانون أصلاً من صعوبة إيجاد فرص عمل وبين السوريين الذين بدأوا يقبلون بأجور أقل في سبيل تأمين لقمة العيش، غير أن الهم المشترك للفلسطينيين والسوريين خلق نوعاً من التعاون والتقبل المتبادل فيما بينهم. “هناك أمل وطرق كثيرة للتغلب على الواقع الصعب، ويجب التحلي بالصبر والإيمان دائماً، فنحن نعيش في بلد يعاني من نفس الصعوبات، وأتمنى أن نتوحد ونعمل على إزالة هذه العوائق. الشباب هم أمل المستقبل وهم من سيقودونه، لذلك من الضروري أن يكونوا مثقفين وواعيين ومتقبلين للآخر”.


سُجلت هذه المقابلة
في  بيروت



أخبر أصدقائك عن هذه المادة:


اقرأ وشاهد مقابلات أخرى مع: